المقريزي
246
إمتاع الأسماع
يصدنكم ، قال : ومنا رجال يخطون ، قال : كان نبي من الأنبياء يخط ، فمن وافق خطه فذاك ، قال : وكانت لي جارية ترعى غنما قبل أحد والجوانية ، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم ، آسف كما يأسفون ، لكني صككتها صكة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي ، فقلت : يا رسول الله ، أفلا أعتقها ؟ قال : ائتني بها ، فأتيته بها : فقال لها أين الله ؟ قالت : في السماء ، قال : من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال أعتقها فإنها مؤمنة . وخرجه أبو داود قريبا منه ، ذكره في باب تشميت العاطس [ في الصلاة ] وفيه : قلت : يا رسول الله ، أنا حديث عهد بجاهلية وقد جاءنا الله بالاسلام ، ومنا رجال يأتون الكهان ، قال : فلا تأتونهم . وقال : فلا يصدنهم ، وقال فيه ، قلت : جارية لي كانت ترعي غنيمات قبل أحد والجوانية ، إذا طلعت عليها اطلاعة . . الحديث ( 1 ) .
--> ( 1 ) وفي هذا الحديث من الفقه أن الكلام ناسيا في الصلاة لا يفسد الصلاة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أحكام الصلاة وتحريم الكلام فيها ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه وقد كان تكلم بما تكلم به ، ولا فرق بين من تكلم جاهلا بتحريم الكلام عليه وبين من تكلم ناسيا لصلاته في أن كل واحد منهما قد تكلم ، والكلام مباح له عند نفسه . وقد اختلف العلماء في هذه المسألة ، فمن قال يبني على صلاته إذا تكلم ناسيا أو جاهلا الشعبي والأوزاعي ومالك والشافعي وقال النخعي وحماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي : إذا تكلم ناسيا استقبل الصلاة ، وفرق أصحاب الرأي بين أن يتكلم ناسيا وبين أن يسلم ناسيا ، فلم يوجبوا عليه الإعادة في السلام كما أوجبوها عليه في الكلام . وقال الأوزاعي : من تكلم في صلاته عامدا بشئ يريد به إصلاح صلاته لم تبطل صلاته ، وقال في رجل صلى العصر فجهر بالقرآن ، فقال رجل من ورائه إنها العصر ، لم تبطل صلاته ، وفي الحديث دليل على أن المصلي إذا عطس فشمته رجل فإنه لا يجبيه . واختلفوا إذا عطس وهو في الصلاة هل يحمد الله ؟ فقالت طائفة : يحمد الله . روي عن ابن عمر أنه قال العاطس في الصلاة يجهر بالحمد ، وكذلك قال النخعي وأحمد بن حنبل : وهو مذهب الشافعي إلا أنه يستحب أن يكون ذلك في نفسه . وقوله ( يصمتوني ) ومثله يسكتوني : معناه يطلبون مني أن اسكت ، وقد حذف نون الرفع وقرئ كما في قوله تعالى : ( قل أغير الله تأمروني اعبد أيها الجاهلون ) بنون واحدة مخففة . وقوله في الطيرة ( ذلك شئ يجدونه في صدورهم ) يريد أن ذلك شئ يوجد في النفوس البشرية وما يعتري الإنسان من قبل الظنون والأوهام من غير أن يكون له تأثير من جهة الطباع أو يكون فيه ضرر كما كان زعمه أهل الجاهلية . وقوله : ( ومنا رجال يخطون ) فإن الخط عند العرب فيما فسره ابن الأعرابي أن يأتي الرجل العراف وبين يديه غلام فيأمره بأن يخط في الرمل خطوطا كثيرة وهو يقول : ابني عيان أسرعا البيان ، ثم يأمره أن يمحو منها اثنين اثنين ، ثم ينظر إلى آخر ما بقي من تلك الخطوط ، فإن كان الباقي منها زوجا فهو دليل الفلح والظفر . وإن كان فردا فهو ديل الخيبة واليأس . وقوله : ( فمن وافق خطه ) فذلك يشبه أن يكون أراد به الزجر عنه وترك التعاطي له إذا كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي لأنه خطه كان علما لنبوته ) وقد انقطعت نبوته فذهبت معالمها . قوله : ( آسف كما يأسفون ) معناه : اغضب كما يغضبون ، ومن هذا قوله تعالى : ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) . وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : أعتقها فإنها مؤمنة ، ولم يكن ظهر له من إيمانها أكثر من قوله حين سألها : أين الله ، فقالت : في السماء وسألها : من أنا فقالت : رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن هذا السؤال عن إمارة الإيمان ، وسمة أهله ، وليس بسؤال عن أصل الإيمان وصفته وحقيقته ، ولو أن كافرا يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت به الجارية لم يصر به مسلما حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتبرأ من دينه الذي كان يعتقده . ( معالم السنن )